محاولة إلغاء العلاج على نفقة الدولة آخر حلقات خصخصة الصحة وحرمان الشعب من العلاج
10 Jul 2010 |
اضف تعليق |
كتبها
hamdy
محاولة إلغاء العلاج على نفقة الدولة آخر حلقات خصخصة الصحة وحرمان الشعب من العلاج
بيان لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة رقم 13 مارس 2010
تأتى المحاولة الحكومية الأخيرة لإلغاء أو تقليص العلاج على نفقة الدولة كآخر إنجازات وزير المالية ورئيس اللجنة المالية والنقدية بصندوق النقد الدولى يوسف بطرس غالى ووزير خصخصة الصحة حاتم الجبلى فى مسلسل حرمان شعبنا من حق العلاج.
وعلاج الفقراء كان مجاله تاريخيا المستشفيات الحكومية والجامعية المجانية وشبه المجانية وما يسمى بنسبة الأسرة المجانية فى كل المستشفيات العامة، و هذا ما تم القضاء عليه تدريجيا منذ بداية الانفتاح فى السبعينات أولا بإهمال وتبوير المستشفيات العامة وثانيا بالإلغاء التدريجى للعلاج المجانى وتحويله إلى علاج بأجر. وفى عهد وزارة الجبلى الحالية تم القضاء نهائيا على آخر بقايا العلاج بأجر رمزى وتحولت جميع المستشفيات الحكومية إلى العلاج بأجر مخصخص. ومنذ أن توسع إسماعيل سلام فى النصف الثانى من التسعينات فى العلاج على نفقة الدولة أصبحت تلك الوسيلة هى المنفذ الوحيد المتاح لعلاج الفقراء.
ويشمل العلاج على نفقة الدولة ثلث الشعب من البالغين وكبار السن ويضم الفلاحين والعمالة غير المنتظمة والصيادين وغيرهم وهم قطاعات الفقيرة ويعتبر عبئ المراضة فيها عاليا. إن تلك القطاعات تقع تحت وطأة البلهارسيا والتهاب الكبد الوبائى ومضاعفاتهم من سرطان المثانة والكبد، كما تئن تحت وطأة أمراض روماتيزم القلب وما يحتاج معظم المصابين به من جراحات قلب مفتوح لتغيير الصمامات، بالإضافة إلى مختلف الأمراض المتوطنة وأمراض سوء التغذية وغيرها. والمنفذ الوحيد المتاح لكل هؤلاء هو العلاج على نفقة الدولة. أما المؤمن عليهم، فرغم أنهم يشكلون عدديا حوالى ثلثى شعبنا (فهيئة التأمين الصحى حاليا تغطى 43 مليونا (57%) من شعبنا، يضاف إليهم المؤمن عليهم وفق أنظمة أخرى (الجيش، البوليس، طلبة الجامعات والمعاهد العليا، المؤمن عليهم وفق أنظمة خاصة بإجمالى حوالى خمسة ملايين) فإنهم يشملون طلبة المدارس وأطفال ما قبل سن الدراسة، والأمراض فى تلك الفئة محدودة التكلفة بطبيعتها.
ووزير المالية يعاير شعبنا بأن الدولة قد أنفقت على العلاج على نفقة الدولة حوالى 4.26مليار جنية تقريبا خلال ثلاث سنوات، أى بمتوسط 1.4 مليار كل سنة وكأن هذه تصلح حجة لبيان ضخامة الإنفاق، ولكن هذا الرقم لا معنى له ككل الأرقام إلا عندما ينسب إلى شيئ ما! فحينما نعرف أن إجمالى الإنفاق الحكومى حوالى 386 مليار جنية سنويا، كما يبلغ الناتج المحلى الإجمالى حوالى ترليون جنية سنويا هل مازلنا نعتقد أن إنفاق حوالى ثلث فى المائة من الإنفاق الحكومى (0.36%) أو 0.14% من الناتج المحلى الإجمالى على علاج ثلث شعبنا الفقير هو إسراف لا داعى له؟! إنه فقط إسراف بالنسبة لوزير المالية موظف صندوق النقد الدولى والمدافع عن قيم الاقتصاد “الحر” وعن تقليص الخدمات وإلغاء الدعم وتوفير الأموال لبنود أهم مثل تشجيع الاستثمار وإعانة المصدرين بمناسبة الأزمة المالية العالمية بما يفوق إجمالى الإنفاق على الصحة! لا يهم أن مقررات قمة الألفية للأمم المتحدة أوصت بألا يقل الإنفاق على الصحة عن 15% من إجمالى الإنفاق الحكومى، ولا يهم أن مصر قد وقعت مع القادة الأفارقة إعلان أبوجا عام 2001 الذى يتبنى هذا المطلب فوزير المالية يقلص الإنفاق الحكومى هذا العام من 3.4% العام الماضى إلى 3.2% من الإنفاق الحكومى، أى أقل من ربع المفروض!
أما وزير خصخصة الصحة فهو لا يدخر وسعا فى حرمان شعبنا من حق العلاج سواء فى التأمين الصحى أم فى العلاج على نفقة الدولة. ففى التأمين الصحى صرح مؤخرا بأن التأمين الصحى فى القانون الجديد لن يغطى سوى ثلثى الدواء والعمليات العادية، أما الأورام والعمليات الدقيقة وقسطرة القلب والدعامة فسوف تخرج من علاج التأمين الصحى وتصبح فى حزمة الكوارث المتاحة فقط لمن يسددون اشتراكا خاصا! وإذا كان هذا هو حال المرضى المؤمن عليهم الذين يدفعون اشتراكات فما بال المستفيدين من العلاج على نفقة الدولة؟ لقد صرح بأنه سيتم التأمين عليهم وفق حزمة انتفاع أساسية فقط (أضيق من حزمة الخدمات التى تقدم فى التأمين الصحى بالطبع!). وبمجرد إقرار قانون التأمين الصحى الجديد سيتم إلغاء العلاج على نفقة الدولة! ولكن فى هذه الحالة ما مصير 29000 مواطن مصابون بالفشل الكلوى ويغسلون كلى على نفقة الدولة حيث لن يغطيها التأمين الصحى الجديد وسيتوقف العلاج على نفقة الدولة عن دفع تكلفتهم؟ وما مصير مرضى الأورام؟ والمرضى المحتاجون لجراحات قلب مفتوح لتغيير صمامات القلب؟ مصيرهم الوحيد هو الموت، إلا نسبة قليلة نبحث لها عن أموال زكاة لنحول الحق فى الصحة إلى هبة ونحول المواطنين إلى متسولين لحقهم فى الحياة! كل ذلك من أجل ترك المواطنين فريسة للقطاع الخاص للمتاجرة فى مرضهم بعد توقف التأمين الصحى والعلاج على نفقة الدولة عن رعايتهم فهذا هو تصور القطاع الخاص الصحى عن مستقبل الطب فى مصر. كما أن هذا هو تصور البنك الدولى الذى اتفق عليه مع الحكومة المصرية عام 1997 من خلال برنامج الإصلاح الصحى.
ولقد كانت الحلقة الحاسمة فى التبنى الصريح للقطاع الخاص المصرى لرؤية البنك الدولى فى عام 2002 فهذا هو عام إنشاء لجنة السياسات بعضوية الجبلى ورجاله الذين أتى بهم معه فى الوزارة. وهذا أيضا هو عام إنشاء غرفة مقدمى الخدمات الصحية فى اتحاد الصناعات. وتم من خلال غرفة مقدمى الخدمات الصحية باتحاد الصناعات برئاسة الجبلى صياغة برنامج القطاع الخاص، وهو ما قدم فى أوراق إلى مؤتمرات الحزب الوطنى منذ 2002وحتى الآن، كما تم منذ نهاية عام 2005 تعيين الدكتور الجبلى وزيرا لتنفيذ برنامجه لخصخصة الصحة وترك المواطنين –سواء المؤمن عليهم أم غير المؤمن عليهم فريسة القطاع الخاص الطبى من مقدمى الخدمات الصحية وشركات التأمين الصحى الخاصة!
من أجل هذا ارتدى وزير الصحة منذ مجيئه زى المهاجم للقطاع الحكومى باعتباره رمز انعدام الجودة لكى يعتبر القطاع الخاص فى الصحة رمز الجودة، ولكى تكون الجودة سلاحا لخصخصة القطاع الصحى كما تبدى فى إنشاء الشركة القابضة للرعاية الصحية ومشروع قانون التأمين الصحى الجديد وغيرهم.
وبدأ مسلسل التآمر على العلاج على نفقة الدولة بعد تمهيد إعلامى طويل منذ شهرى مايو ويونيو من العام الماضى أثناء مناقشة الموازنة العامة للدولة للعام المالى 2009-2010 فى مجلس الشعب، حيث دعا أحمد عز رئيس لجنة الخطة والموازنة فى مجلس الشعب إلى إلغاء العلاج على نفقة الدولة. وأسفرت المناقشات عن تقليصه بنسبة 50% حيث تم تقليله من 2.2 مليار جنية إلى 1.1 مليار، ثم أضيف إليهم 800 مليون تخصص لسداد مديونيات وزارة الصحة للمستشفيات ليصبح الإجمالى 1.9 مليار جنية. وصرح وزير الصحة منذ بداية العام المالى فى أول يوليو 2009 بأن شيكات العلاج على نفقة الدولة سوف تصدر بنصف القيمة فقط ويدفع المواطن النصف الآخر لتلقى العلاج، إلا أن الممارسة الفعلية أظهرت استحالة ذلك الحل، فالمواطن المصاب بالفشل الكلوى والذى يصدر له شيك سنوى بمقدار 17000 جنية قيمة 150 جلسة غسيل فى السنة لن يستطيع تدبير 8500 جنية إذا صدر له شيك بنصف القيمة ولن يكون أمامه من بديل إلا أن يموت لعجزه عن تحمل نفقات الغسيل! ولهذا استمرت الشيكات تصدر بكامل قيمة العلاج رغم تخفيض الميزانية للنصف. وأدى هذا بالطبع إلى نفاذ الميزانية مبكرا، فكان لابد من حل. والحل الذى توصلت إليه الحكومة هو إلغاء العلاج على نفقة الدولة تحت مظلة محاربة الفساد بفضح أشكال من الفساد هى فى الواقع خليط من الفساد الحقيقى والمزعوم! ويبدو من ظاهر ما أعلن عن الفساد فى العلاج على نفقة الدولة أنه يشتمل على عنصرين: الأول هو قيام عدد كبير من أعضاء المجلس باستخراج عدد كبير من القرارات بقيمة كبيرة. ولكن عند قسمة القيمة على عدد القرارات الخاصة بكل نائب يتضح أن متوسط قيمة كل قرار تدور حول 1000 جنية، وهو ما يجعل شبهة الفساد محدودة، ويجعل أغلب الموضوع فى إطار الخدمات التى يقدمها النائب للمواطنين سواء من أبناء دائرته أو من غيرهم. أما العنصر الثانى فهو ما يعتبر أشكالا من الفساد المباشر والمتهم فيها أشخاص معدودون يصل متوسط قيمة القرار فيها إلى آلاف وعشرات الآلاف من الجنيهات، وتدور حول صرف كراسى وأجهزة كهربائية متقدمة وغالية لمعاقين، وتدور حول أن بعضهم متوفين وأن البعض الآخر لا يعلمون شيئا عن الموضوع، وأن صور بطاقاتهم الشخصية قد استعملت فى استصدار القرارات دون الرجوع إليهم، وأن تلك السلع الغالية قد أعيد بيعها للشركات، وفى إحدى الحالات قد أعيد تصديرها! والمذهل أن ذلك الفساد، والذى قيل أنه يدور حول مائتين إلى مائتين وخمسين مليون، لا يمكن أن يتم إلا بوجود عصابات منظمة تشمل أعضاء من مجلس الشعب وموظفين فى إدارة العلاج على نفقة الدولة وشركات مستلزمات طبية، مثلها فى ذلك مثل شكل آخر من الفساد حول مستشفى خاص لالعيون يجرى عمليات تصحيح إبصار بآلاف الجنيهات عن طريق قرارات للعلاج على نفقة الدولة تصدر بأسماء عمليات أخرى! ونلاحظ هنا أن الفساد كان وراءه القطاع الخاص المتربح ولم يكن القطاع الخاص رمز الجودة كما يبشر الوزير؟! ويكمل الصورة استنزاف قسم من ميزانية العلاج على نفقة الدولة المفترض تخصيصه للفقراء لعلاج وزراء وزوجاتهم، بينما يفترض أن تتحمل جهات عملهم باعتبارهم موظفين عموميين نفقات علاجهم! إن تلك النماذج للفساد لا يصح للتعامل معها إلا الإحالة للنيابة العامة، أما محاولة استخدامها لإلغاء حق الفقراء فى العلاج فجريمة كبرى تتجاوز جريمة التبديد والاستنزاف!
وفى أى دولة ديمقراطية يكفى جزء بسيط من ذلك الفساد لاستقالة الوزراء أو لإقالتهم. أما الجرائم السياسية المتمثلة فى السعى المتكرر لخصخصة للتأمين الصحى والعلاج على نفقة الدولة وحرمان شعبنا وفقرائه من حق العلاج فتحتوى على أكثر من مبرر للمطالبة باستقالة وزراء البزنس ورجال صندوق النقد الدولى المعادون لحق الشعب فى الصحة.
والحل فى رأينا هو استمرار العلاج على نفقة الدولة مع محاربة الفساد به حتى إقرار حل جذرى يتمثل فى تأمين صحى اجتماعى شامل حقا لكل الأمراض ولكل المواطنين وليس التأمين الصحى الحكومى الجزئى والانتقائى والذى يدمر المساواة بين المواطنين، مع القضاء على الفوضى الحالية بتوحيد الهيكل الطبى الحكومى متعدد الهيئات فى هيكل واحد خدمى غير ربحى يشمل وحدات الرعاية الأساسية كلها فى الريف والمدينة والمستشفيات المركزية والعامة ومختلف الهيئات مع نظام علمى للتحويل بينها وأسس علمية للعمل ومرتبات مجزية للأطباء ومختلف أفراد الفريق الطبى.
دكتور / محمد حسن خليل