
فيلم رسول.. القدرة على رؤية المستقبل شريف حتاتة لست ناقداً سينمائياً، ولم أُشارك بأي شكل في عمل فيلم لكني شعرت أنني أستطيع أن أكتب بسهولة عن فيلم” رسول” لأنه فيلم عن السجن، وعن مسجون، وكيف خرج منه أقوى، وأقدر مما كان عندما دخل إليه. ذلك أنني قضيت أكثر من ثلاثة عشر عاماً من عمري في سجون مصر، كما سُجنت لمدة شهرين في فرنسا داخل سجن اسمه”لاسانتيه”، وهى كلمة تعني الصحة، فخبرت جزءاً كبيراً من الأشياء التي تعرض لها هذا الفيلم، وحكي عنها. بداية هناك ملاحظة تتعلق بترجمة عنوان الفيلم. عنوانه بالفرنسية هو (آن بروفيت)، وبعد أن شاهدته أدركت أن الترجمة الأسلم هى (نبي) وليس رسول لأسباب تتعلق بمضمون الفيلم، ومعناه. من لم يدخل السجن قد يظن أن المجتمع فيه مختلف تماماً عن المجتمع خارجه، أن حياة السجن لا علاقة لها بما يجري خارج أسواره، وأن الناس الذين يعيشون فيه مختلفين تماماً عن الناس الذين نلتقي بهم في حياتنا العادية. لكن الواقع غير ذلك. مجتمع السجن فيه الكثير من السمات، والخصائص التي نجدها في المجتمع خارجه. ربما الفارق الأساسي هو أن درجة القسوة، والقهر، أن سيطرة الأقلية واستغلالها، وسطوتها، أن الوحشية في الحياة اليومية، وجرائمها، أن المتاجرة بكل شيء بما فيهم الذمم والأخلاق، أن الفساد الذي ليس له حد أكثر وضوحاً وأكثر فُحشاً وأكثر صراحة في السجن عنه في المجتمع خارجه. في الوقت نفسه فإن اللحظات الإنسانية والتضامن، والشجاعة والقدرة على مقاومة كل هذه الأشياء تتجلى أحياناً في السجن على نحو لا نجده خارجه. الأفلام عن السجن تكررت في السينما عشرات المرات لكن “جاك أوديار” مخرجه الفرنسي صنع مع فريقه فيلماً عن السجن غير عادي، بل وفريد من نوعه لأنه جسَّد هذه الحقيقة الهامة ببراعة نادرة، وألقى بها كالتحدي أمامنا. عمَّق فهمنا للمجتمع الذي نعيش فيه وفهمنا لحياتنا لأنه حكي قصة شاب بدأ عادياً عندما دخل إلى السجن، ثم خرج منه زعيماً في عالم الإجرام. فالمجتمع العادي كثيراً ما يكون مزرعة لمختلف أنواع الإجرام المستترة والواضحة.مالك الجبينة الشاب اسمه “مالك الجبينة”. إنه فرنسي عربي أو بالأحرى كورسيكي عربي نسبة إلى جزيرة “كورسيكا” الواقعة على مقربة من شاطيء جنوب فرنسا. عمره تسعة عشر عاماً، لا نعرف له أباً ولا أماً، ولا أسرة. تربي في ملجأ للأحداث، لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، ولا يُوجد له انتماء ديني ظاهر، مجرم من الطراز الصغير، أو مشرد اتُهم بالإعتداء على رجل من رجال البوليس، لكن لا يتضح إن كان قد اعتدى عليه بالفعل أم لا. حُكم عليه بست سنوات سجن فنراه أول ما نراه وهو يدخل إليه. يخلع ملابسه ويقف عارياً ليخضع لتفتيش خشن، ومُذل. يُسلم ملابسه أخفى في طياتها ورقة بخمسين يورو لكن الحارس يستخرجها ويحتفظ بها ضمن مقتنياته ليتسلمها عند خروجه من السجن. يُزج به في طابور للطعام ممسكاً بصينية ليُصبح حبيساً في غابة لا يعرف عنها شيئاً. مالك خجول، إنطوائي، خائف من المجهول الذي دخل إليه، لا يعرف شيئا عن ناسه، أو عما يُمكن أن يحدث له فيه. يدور بنظرات متوجسة شبه خفية على ما يجري من حوله، فتقربنا الكاميرا إليه. تتبعه خطوة بعد خطوة، وحركة بعد حركة، ولحظة بعد لحظة من أول دخوله إلى السجن إلى لحظة خروجه منه. تُسلط عدستها عليه، على الممثل “طاهر رحيم” الذي لم يحدث أن قام بدور في السينما قبل أن يختاره المخرج لبطولة هذا الفيلم. مع ذلك ساعة خروجنا من الصالة، ساعة تأملنا لما جرى خلال الساعتين ونصف الساعة التي استغرقتها مشاهدة الفيلم نُدرك أن لولا هذا الممثل المغربي الشاب لما وُلدت شخصية “مالك الجبينة” بل لما وُلد الفيلم الذي اسمه” نبي”. في السجن سلطة السجن مثله مثل كل مكان، مثل البلد، والحي، والعمل، والأسرة، مثل كل وحدات ومواقع المجتمع تحكمه سلطة. قد نظن أنه في هذا المكان هى إدارة السجن، وإدارة السجن موجودة، لكن هنا تُوجد سلطة آخرى غير رسمية، مستترة إلى حد ما هى سلطة القائمين على العصابات الموجودة في السجن. هذا السجن شأنه شأن كل السجون، شأنه شأن المجتمع تُوجد فيه عصابات أقوى من الإدارة، مسيطرة عليه تحكم بما تملك من مال، ومن سطوة، ومن امتدادات في المجتمع خارج السجن. في الحياة تُوجد دائماً سلطة رسمية وسلطة غير رسمية تختفي من ورائه، وفي هذا السجن تُوجد “مافياً الكورسيكيين”، ومافيا الفرنسسيين العرب أو “الإخوة” كما يُسمون لأنهم مسلمون. “مافيا الكورسيكيين” يرأسها رجل كبير السن، أشيب الشعر واللحية، مُدبر هاديء، مجرم وعنيف يُحرك أعوانه المسجونيين، وضباط السجن، وحراسه، رجل اسمه “سيزار لوتشياني” قام بدوره الممثل “نيلز أّريستروب” الذي ساهم بأدائه المتميز في تجسيد هذه الشخصية المحورية والخطيرة في الفيلم. هذا الرجل يسعى للتخلص من مسجون عربي اسمه “رُعَّيب” (الممثل هشام يعقوبي) ليمنعه من الإدلاء بشهادته في قضية تمس مصالحه، فيقع اختياره على “مالك الجبينة” لقتله. يُحدثه عن هذا الموضوع جالساً على دكة في حوش السجن ويُبلغه أنه إذا امتنع عن تنفيذ هذه العملية سيتعرض هو نفسه للقتل. يبذل “مالك الجبينة” محاولات للإفلات من القيام بما هو مطلوب منه، لكن أفراد العصابة يُحاصرونه، ويعتدون عليه بالضرب في إحدى الزنازين قائلين له تنبه فنحن نحكم في هذا السجن. “رُعيَّب” يُريد أن يُمارس معه الجنس فيقوم أحد الحراس من أعوان عصابة الكورسيكيين بإدخال مالك في زنزانته بعد أن تم تدريبه على أسلوب للقتل. أثناء المداعبات والكلام الدائر بينهما يُخرج موسى أخفاها في لثاء الفم، ويُرشقها في عنق “رُعيب” مكان الشريان المتجه إلى الرأس فتنفجر الدماء كالنافورة ملوثة كل شيء. يقوم بغسل ملابسه ويضع الموسيى قرب أصابع “رُعيَّب” الذي رقدت جثته على الأرض. بعد أن ينتهي من كل هذا يُعيده الحارس إلى زنزانته. بداية الطريق هكذا بهذه الجريمة البشعة يتم تعميد “مالك” في عالم الجريمة. إنها جريمة ارتكبها حفاظاً على حياته وأدرك عن طريقها ألاَّ سبيل أمامه إذا أراد البقاء سوى تنفيذ أوامر “سيزار لوتشياني” بحذافيرها، ووضع نفسه في خدمته. في الوقت نفسه يُدرك شيئاً آخر يتعلق بمصيره ربما يكون هو الأهم، فأثناء حديث وُدي جرى بينه وبين “رُعيَّب” نطق الرجل بجملة علقت بذهنه. قال له أخرج من هنا وأنت أكثر قدرة وأكثر إدراكاً عما كنت عندما دخلت إليه، فيبدأ في تدبير الخطوات التي تقوده إلى تحقيق ما أصبح هدفه. يدرس في صمت كل ما يتعلق بمجتمع السجن، بالعلاقات الخفية والظاهرة، بالقوى المتناحرة فيه، والمسيطرة عليه. يرتبط “بسيزار لوتشياني” زعيم المافيا الكورسيكيية الواسع النفوذ، ويقوم على خدمته في أبسط الأمور. يتعلم اللغة الكورسيكية خفية معتمداً على سماعها وقراءة بعض الأشياء التي تقع بين يديه ليتمكن من معرفة ما يدور بين أفرادها، والصفقات التي يقومون عليها. يذهب إلى مدرسة السجن ويتعلم فيها قراءة وكتابة اللغة الفرنسية، وبعض مباديء الإقتصاد الأساسية. يعقد الصداقة الوحيدة في حياته مع الفرنسي العربي “رياض” (الممثل “عادل بن شريف”) الذي قاربت مدته في السجن على الإنتهاء، وعلى تاجر مخدرات كبير من الغجر اسمه “جوردي” فيتعلم أسرار هذا “الكار”. مع ذلك طوال الوقت يظل إنساناً وحيداً منبوذاً من عصابة الكورسيكيين، فالمنتمون إليها يُظهرون للعرب احتقارهم. يقول عنهم “سيزار لوتشياني إنهم يُفكرون بأعضائهم الجنسية، لكنه يتحمل كل ذلك في سبيل ما يهدف إليه. أما الإخوة العرب فهم يعتبرونه خائناً بسبب علاقته الوثيقة “بسيزار لوتشياني” الذي أصبح ”مالك” بالتدرييج ذراعه الأيمن، المشارك على نحو متزايد في نشاطه، الدارس المستمر لكل ما يجري من حوله. بعد مرور ثلاث سنوات من وجوده في السجن يستخدم “سيزار لوتشياني” علاقاته بالسلطات في الخارج ليحصل له على إذن بالخروج على فترات في أجازة من السجن لمدة يوم. أثناء هذه الإجازات يقوم بصفقات لحساب الرجل الكورسيكي، ولتاجر المخدرات الغجري “جوردي” لكن بالتدرييج يبدأ في التخلص من اعتماده عليهما ويعمل لحسابه الخاص، فيتزايد نفوذه وتتدعم علاقاته الخاصة بالتعاون مع صديقه “رياض” الذي أُفرج عنه. يتخلص من اعتماده على الكورسيكي “سيزار لوتشياني” ويتعاون مع غيره ومنهم أحياناً عصابة “الإخوة”. يقوم بزيارة “رياض” في بيته فيتعرف على زوجته “جميلة” وعلى طفلها الصغير الذي يحمله بين ذراعيه ويُرقده إلى جواره على السرير. لقد توغل في طريق الجريمة، بل أصبح أحد أقطابها لكن طوال الوقت هو ليس راضيا عن الطريق الذي أخذته إليه حياته، واضعاً لنفسه قواعد في التصرف، مبتعداً عن جرائم القتل، باحثاً عن نقطة ضوء في عالمه المُظلم,” رياض” صديقه مُصاب بسرطان في الخصية ويقترب من الموت فيُوصيه برعاية زوجته وطفله بعد وفاته. يعده بذلك، لكن طوال الوقت يشعر أن هناك طريق أفضل فى الحياة. كراهيته “لسيزار لوتشياني” تنمو فهو رجل حقير بلا رحمة، ينظر إليه كأنه أدنى منه فيجيء الوقت الذى يقرر فيه أن يتخلص من التبعية التي عانى منها. هكذا عندما يأمره الرجل بقتل منافسه في المافيا أثناء خروجه في أجازة خارج السجن يمتنع عن تنفيذ ما طُلب منه. أثناء المواجهة المُسلحة التي تقع في إحدى شوارع المدينة يمتنع عن إطلاق النار عليه ويُصر إليه بما كان مُدبراً له مُدركاً أنه بهذه الطريقة سيقوم غريم “سيزار لوتشياني” هذا بتصفية عصابة الرجل الكورسيكى ليُصبح الرجل وحده بلا عون.نبي لأنه تنبأ أُطلق على الفيلم اسم “نبي” لأن “مالك الجبينة” رأى المستقبل وسار نحوه. بنى حياتاً لنفسه خطوة وراء خطوة رغم كل الظروف القاسية والخطيرة التي كانت تُحيط به، لأنه رفض أن يسقط إلى الدرج الأسفل، واحتفظ على قدر المستطاع بشيء إنساني في نفسه، لأنه أُنقذ من حادثة سيارة كان يُمكن أن تُودي بحياته بسبب رؤية جاءته وهو راقد في الزنزانة، لأن روح “رُعيَّب” كانت تُحلق أحياناً في خياله وتتحدث إليه موحية إليه بأشياء ينبغي أن يحتاط منها، أو أشياء ينبغي أن يسير نحوها. نبي لأنه عندما رفض تنفيذ أوامر “سيزار لوتشياني” بالقتل قرر أن يتأخر عن الميعاد المُحدد لعودته من الأجازة إلى السجن، فأُلقي به في التأديب لمدة أربعين يوم وليلة قضاهم في التحمل والتأمل، نبي لأنه أدرك أن الإنسان يتعلم من العقل والتأمل لكنه يتعلم مما تقوله الروح أيضاً. فرقة متميزة صنعت الفيلم حصل هذا الفيلم على الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي لسنة 2009 فقد نجح المخرج “جاك أوديار” في صُنع فيلم استحوذ على انتباه المشاهدين طُوال مدة عرضه. سعى فيه إلى قول مالا تقوله عادة أفلام الجريمة والسجن. قال انظروا جيداً هذا هو المجتمع فتأملوه، إنه مجتمع تتحكم فيه أقلية ضئلية من الرجال على استعداد لفعل أي شيء من أجل السلطة والمال، ومن أجل فرض سطوتهم عليه، مجتمع تسود فيه العنصرية، مجتمع يُضحي بأذكى وأقدر الشباب فإن لم ينتبهوا، إن لم يُدركوا، إن لم يروا مستقبلهم ويعملوا من أجل أن يُصبح أفضل عما هو فلن يكون لهم بقاء. قال أن المجتمع سواء داخل السجن أو خارجه هو المسئول الأول عن صُنع المجرمين، وأن السجن هو المعمل الذي يُساهم في خلق الإجرام، في تكراره وتعميقه، وليس مكاناً للتهذيب والإصلاح. اشترك المخرج في تصميم الديكورات لأن السجون مزدحمة بنزلائها ولا مجال فيها للتصوير. أراد أن يرى الناس وأن يُدركوا مدى بشاعة الأماكن التي يُوجد فيها بشر مثلهم. حرص على أن تكون اللقاءات في أغلب الأحيان بين شخصين فقط بحيث يشعر المشاهد بأنه لا تُوجد مساحة للتنفس أو التحرك الطبيعي، لأن من فيه محشورين في صناديق من الحديد والأسمنت. كان اختياره” لطاهر رحيم” في دور الشاب “مالك الجبينة” و”نيلز أريستروب” في دور زعيم عصابة الكورسيكيين موفقاً للغاية، وعنصراً أساسياً في ارتقاء الفيلم إلى مستوى من الفن الرفيع. قام المصور “استيفان فونتاين” بدور بارز في خلق الجو المصاحب لحياة السجن. ذلك أن الحركة السريعة في اللقطات المُوحية بالأعصاب المشدودة، بالخطر، بالتوتر المكبوت، بالعنف الكامن أو الظاهر حالت دون أن ترتخي حالة الإنتباه المستمرة طوال المدة الطويلة للفيلم. يضاف إلى ذلك نجاح الكاميرا في التقاط كل خلجة، كل تقطيبة، كل حركة عين أو يد أو شفاه، كل نظرة خوف أو ترقب، كل لحظة توتر أو هدوء في التمثيل الرائع، والمُعبر للمثل “طاهر رحيم” والممثل “نيلز أريستروب”. ساعد في ذلك أيضا المونتاج الذي قامت به “جوليت ويفلنج” فأعطى للفيلم إيقاعه السريع المتنقل لكن في حدود لا تُؤدي إلى فقدان ذلك القدر من الهدوء والتأمل اللازم للمشاهد. يُضاف إلى كل هذا الموسيقى التي كثفت الشعور بالأحداث والشخصيات دون أن تفرض نفسها على نحو يُشتت الانتباه ويُخرج المُشاهد من الإندماج اللازم فيما يحدث أمامه، وهى مقدرة يتمتع بها صانع الموسيقى “ألكساندر ديسبلات”. ينتهي الفيلم بخروج “مالك الجبينة” من السجن حاملاً حقيبة يد. على مقربة من الباب تنتظره “جميلة” حاملة طفلها بين ذراعيها. يُقبل “مالك” الولد الصغير على وجنتيه. يسأل جميلة: “كيف جئت؟” تقول: “بالشاحنة. إنها تأتي كل نصف ساعة.” يسألها: “هل ترغبين في السير قليلاً”؟. ترد “لا مانع”. ونراهم سائرين على الطريق. تُرى إلى أين؟ “فمالك” الآن زعيم في عالم الإجرام.









